مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
23
شرح فصوص الحكم
أن ما ذكرتم من القوابل ليس بأثر للحق تعالى لأن القوابل هي الماهيات والماهيات ليست بمجعولة فلم يجز في استكمال بعض كمالاته أن يتخذ أسبابا مغايرة لذاته تعالى خارجة عن صنعه فلما قال : وما بقي إلا قابل إلى قوله : فاقتضى الأمر زالت الشبهتان معا لثبوت أن كونه محتاجا إليه من اللّه تعالى وأن القوابل فائضة منه بالفيض الأقدس فاللّه تعالى قادر بذاته على إيجاد الكمالات التي توجد بسبب الغير لكن وجودها به أكمل من وجودها بدونه ولذلك وقعت به ولم تقع بدونه فلا نقص في حق اللّه تعالى في استكمال ذلك الكمال بالعالم بل هو من أكمل كمالاته إذ كله صنيع الحق سواء كان فائضا بالفيض الأقدس أو المقدس فسبحان اللّه دبر العالم بالعالم كما لا نقص في احتياجه إلى صفاته في إيجاد الخلق إذ كلها ليس غير ذاته تعالى والتعبير بلفظ الاحتياج في حقه تعالى وإن كان سوء الأدب لكن يقتضي بيان المحل لتلك العبارة واللّه أعلم . وقول الشارح : والمراد بالأمر المأمور بالوجود بقول : كن كما قال اللّه تعالى : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 82 ) [ يس : 82 ] لا يتناول الفيض الأقدس لأن الأمر بالشيء لا يمكن إلا بعد التعين بالشيئية وامتيازه عن الأمر ولا تعين هاهنا اللهمّ إلا أن يحمل على التحقيق قوله : ( فاقتضى الأمر ) جواب لما شاء يعني لما شاء الحق أن يرى عينه في كون جامع موجدا للعالم كمرآة غير مجلوة اقتضى الأمر أي الرؤية أو الحكم الإلهي أو الحب الذاتي الذي كان منشأ للرؤية المطلوبة أو جواب لشرط محذوف يعني إذا كان الحق تعالى أوجد العالم كمرآة غير مجلوّة اقتضى الأمر ( جلاء مرآة العالم ) أي الوجه الذي يلي الحق فإن مرآتية العالم منه لا من الوجه الذي هو التعين الإمكاني بل الأمر اقتضى عدم جلائه ليمكن الرؤية فيه من طرف الجلاء فلا بد منه كما لا بد منه ويجوز أن يكون إضافة الاسم إلى المسمى أي المرآة المسمى بالعالم . واعلم أن اللّه تعالى حرّم على الإنسان بعض الأفعال وأحل بعضها فإذا فعلت فعلا شرعا وجد منه شيء وجود شبح مسوّى لا روح فيه وهو بمنزلة قوله : وقد كان أوجد العالم كله وجود شبح مسوّى لا روح فيه فاقتضى الأمر جلاء ذلك الموجود وهو بمنزلة قوله : فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم فكان جلاؤه ونور الاسم الذي يحكم عليك في صدور هذا الفعل منك وهو بمنزلة قوله : فكل آدم عين جلاء تلك المرآة فحينئذ رأيت نفسك في فعلك فإذا رأيت نفسك رأيت ربك لأنك تعريفه الرسمي فإذا رأيت ربك فقد رأى ربك نفسه في مرآة فعلك كما رأى في مرآة العالم ، فعلى هذا يجري فعلك على طريق فعل اللّه تعالى وينتج نتيجة فعله وإذا تحققت بأخلاقه وفعلت ما أمره وأعطيته ما طلبه منك وهو المرآة على نوع مخصوص بحسب الفعل المخصوص والوقت المعين فقد وجدت سعادة بسبب إطاعتك الشرع لا غير لأجل هذا أمر منها ما أمر بخلاف ما إذا